"الحرب" كطريق إجباري للسلام!

منتهى نت

ابتدأت زيارة الوفد العماني بصنعاء في الـ (5 من يونيو الجاري)، بالدم، وانتهت في الـ (11 من نفس الشهر)، بالدم أيضا. حيث قصفت مليشيا الحوثي في حادثتين منفصلتين، مدينة مأرب، ما أسفر عن مقتل وجرح مدنيين، وهو ما أكد؛ ما هو مؤكد، أن هذه المليشيا لا تجدي معها لغة الدبلوماسية، ولا حتى العقوبات الأمريكية الفردية.

 

 فالجريمتين الإرهابيتين، لم تكونا مجرد قصف عشوائي، بل نفذتا عمدا، لبعث رسالة مفادها، نحن منتصرون ولدينا القوة، ولن نقبل بخطط السلام، ونريد من الشرعية والتحالف تقديم المزيد من التنازلات، لأننا سلطة أمر واقع، ولأن بيدنا قرار شن الحرب أو انهائها.

 

 هكذا تفكر مليشيا الحوثي؛ ومن الطبيعي أن تفكر كذلك، فرغم كونها حركة متمردة، إلا أنها ترى العالم كله، يفاوضها من أجل الانخراط بالمفاوضات السياسية، وتجد العواصم الدولية تنفذ جولات مكوكية لعرض مبادرات سلام عليها، فتزداد تصلبا، وترغب بالمزيد من التنازلات، لدرجة أنها تريد فتح مطار صنعاء بشكل كامل، بدون تقديم أي تنازلات من قبلها.

 

 في الحقيقة، رفع الحظر الكلي عن مطار صنعاء؛ لو تم، سيمثل انتصارا سياسيا كبيرا للحوثيين، فالأمر لا علاقة له بالمساعدات الإنسانية، فالمطار لم يغلق نهائيا، بل ظل مفتوحا أما الطائرات الأممية المحملة بالمساعدات الإنسانية، لكن الحوثي يناور من أجل فتح غير مشروط للمطار، لتحقيق مآرب عسكرية وسياسية، تحت غطاء "الأسباب الإنسانية"، حيث سيستخدمه لاستقبال الخبراء العسكريين والخدمات اللوجستية الأمنية.

 

 من الناحية السياسية، رفع الحظر الكلي عن المطار، سيوفر للمليشيا اتصالا مباشرا بالعواصم الإقليمية والدولية، وربما بمثل مدخلا لاعتراف خارجي جزئي بسلطة الحوثي كأمر واقع؛ كما هو مثلا مع طالبان، وستكون صنعاء مزارا يوميا للوفود الرسمية وغير الرسمية، ما يضفي على الحوثي اعترافا دوليا غير مباشر، وهذه النقاط الخطيرة هي التي تجعل الحوثي مصرا على فصل مسألة المطار عن قضية وقف النار، ووضعها في الإطار الإنساني.

 

  الأمر يسري على ميناء الحديدة، فطوال السنوات السابقة، وخصوصا منذ اتفاق ستوكهولم (نهاية 2019)، ظل الميناء مفتوحا بشكل جزئي لسفن المساعدات الإنسانية، خصوصا وأن الإتفاق الدولي حصّن الحديدة وموانئها من أي عملية تحرير عسكري، وظلت إيرادات السفن تنهب لصالح مجهود الحرب الحوثية على اليمنيين، وما يريده الحوثي الآن هو تنشيط كامل لدخول السفن النفطية والاغاثية، ليقوى من سلطته العسكرية.

 

 لهذا، لا يمكن للحوثي أن يوافق على تشغيل المطار والميناء بغير شروطه، ولذا نجده يستخدم ورقة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، ضد المدنيين في مأرب، كمحاولة لجعل المجتمع الدولي يمارس المزيد من التنازلات على الشرعية والرياض، تفضي للاعتراف بسلطته على مطار صنعاء، عبر اتفاق يشابه في بنوده اتفاق السويد.

 

 من هنا، وللكثير من تجارب السنوات الماضية، فإن اللغة التي ستجعل الحوثي يجنح للسلام، ليس لغة المفاوضات السياسية، ولا منطق الوساطات الدبلوماسية، ولا حتى الإجراءات العقابية الأمريكية على الحوثيين بشكل فردي، بل إجراءات عملية تعتمد على لغة القوة.

 

 هذه الإجراءات تبدأ دوليا من عند إعادة أمريكا إدراج الحوثي في قائمة المنظمات الإرهابية، ثم مقاطعة وفوده في كل عواصم العالم، وخصوصا في مسقط، يليها تجفيف كل منابع تمويله بشكل كامل، أما محليا وإقليميا فما يحتاجه الحوثي لكي يخضع للسلام، كسر شوكته العسكرية، من خلال خسران مناطق جغرافية مهمة تقع تحت سيطرته، ولذا يجب التفكير بشكل جدي في دعم تحرير الحديدة والمناطق المحيطة بمأرب، وإلحاق الهزيمة بقواته في تعز..

 

دون ذلك، فإن الحوثي يشعر أن منتصر، فلماذا يتنازل؟!.. ولا خيار معه إلا الحرب، فهي وحدها، طريق إجباري للسلام مع المليشيا، ونقصد بالحرب هنا، الحرب العادلة، حرب النضال من أجل بناء الدولة، واستعادة المدن من الارهابيين، حرب الدفاع عن المدنيين الذين يستهدفهم الحوثي لأهداف، لا تنحصر في عقدته السلالية، بل أيضا توظيف دمهم في صفقات السياسة الإيرانية .